فصل: تفسير الآيات (51- 57):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (51- 57):

{وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
كانت الآيات السابقة تمهيدا للقاء المشركين وعرضهم على كتاب اللّه رضا مباشرا، بعد أن رأوا ما هم فيه من ضلال وعناد، ومكابرة في الحق، وأنهم وفرعون في هذا المقام على سواء، حتى لكأنهم أبناؤه الوارثون لكل ما عرف عنه من جور وجبروت.. والمراد بالقول هنا، القرآن الكريم، وتوصيل القول، وصل بعضه ببعض.. وهذا ما يشير إلى الأسلوب الذي نزل عليه القرآن الكريم، وإلى الحكمة المرادة من هذا الأسلوب.. فقد نزل القرآن الكريم منجما، آيات آيات، وسورة سورة، ولم ينزل مرة واحدة، كما نزلت الكتب السابقة، فكان نزوله- مكيا ومدنيا- في نحو ثلاث وعشرين سنة.. أما الحكمة المرادة من هذا الأسلوب الذي نزل عليه القرآن الكريم، فهى ما كشف عنه قوله تعالى في هذه الآية: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} وما كشف عنه قوله تعالى أيضا: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [32- 23: الفرقان].
فنزول القرآن على هذا الأسلوب، يثير أشواق المؤمنين، الذين كانوا ينتظرون كل يوم خيرا جديدا، ينزل من السماء فيلقونه، بوجودهم كله، حتى لكأن الذي نزل عليهم ليومهم هو كل القرآن الكريم.. وهكذا كانت الآية أو الآيات المنزلة، تمثل القرآن الكريم كله، حيث يرون فيها دعوة الإسلام، ورسالته.
عقيدة وشريعة، وبهذا يرون مع كل وحي بتلقاه الرسول دعوة مجددة إلى اللّه، وإلى دين اللّه، فيزدادون إيمانا ويقينا، ويترشفون ما يروى ظمأهم من هذا المورد العذب.. قطرة قطرة، فيكون ذلك أنقع وأنفع.. أما المشركون فإن لهم في نزول القرآن- منجما- واعظا يطلع عليهم من آيات اللّه مع كلّ وحي يوحى إلى الرسول، وإن لهم من كل آيات تتنزل، نذيرا، يختلف وجهه، وتختلف طلائع نذره عن سابقه.. وهكذا يدخلون مع كل وحي يوحى، في صراع جديد، وفي تجربة جديدة، وفي هذا ما يقيمهم دائما على اتصال بالدعوة، طوال هذه المدة التي نزل فيها القرآن.. وهذا من شأنه أن يصفى ما بالنفوس من شر وخير، يوما بعد يوم، وفي كل يوم يزداد أهل الخير قربا من الإسلام، على حين يزداد أهل الشرّ بعدا ونفورا.
قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} المراد بالذين أوتوا الكتاب هنا، هم بعض اليهود والنصارى، الذين دخلوا في الإسلام، وقد عرفوا أنه الحق من ربهم، وأنه الدين الذي كانوا ينتظرون الرسول المبلغ له، والذي بشرت به التوراة والإنجيل.
وقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِ} متعلق بآتيناهم، أي آتيناهم الكتاب من قبل هذا الكتاب الذي نزل على محمد- صلوات اللّه وسلامه عليه.
وفي الآية تحريض للمشركين من قريش، ومن العرب عامة، إلى المبادرة يأخذ حظهم من الكتاب الذي نزل عليهم. من قبل أن يسبقهم إليه أهل الكتاب، وينتزعوا منهم هذا الشرف الذي ساقه اللّه إليهم، وندبهم له.
وقوله تعالى {هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} إشارة إلى أن أهل الكتاب، عندهم عن هذا الكتاب الدلائل والشواهد التي تدعوهم إلى الإيمان به، وأنهم ما إن يلقونه حتى يؤمنوا به، إذا لم يحجبهم عن هذا الإيمان ما يثور في صدورهم من دخان العصبية، والحسد.. وهذا هو بعض السر في قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ} الذي يدل على توقع حدوث الفعل بدلا من مؤمنون الذي يدل على وقوع الحدث فعلا.
قوله تعالى: {وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}.
فى هذا إشارة إلى أن أهل الكتاب بما عندهم من دلائل وشواهد على صدق القرآن الكريم- مهيئون للإيمان بكتاب اللّه، والتصديق به.. وإنهم إذا تتلى عليهم آياته، لم يتلبثوا ولم يترددوا، بل أسرعوا بالاستجابة له: قائلين آمنا به.. إنه الحق من ربنا.. وإنه الدين الحق الذي دان به النبيون وأتباعهم من قبل.. ولهذا فنحن إذ نؤمن بهذا القرآن لم نتبدل دينا بدين، وإنما نحن بديننا الذي ندين به، ندخل في الإسلام الذي دعينا إليه.. فديننا من الإسلام، والدين الذي ندعى إليه هو الإسلام، فإذا التقينا بالأصل كان لزاما علينا أن ندخل فيه بما معنا من فرع.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} [19: آل عمران].
وليس كل أهل الكتاب- كما قلنا- هم على هذه الشاكلة، وإنما قلة قليلة منهم، هي التي عرفت الحق وآثرت اتّباعه، وكثرتهم الكثيرة، عرفت الحق، ولكنها آثرت الهوى، وفي هذا يقول اللّه تعالى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ} [110: آل عمران] {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [213: البقرة].
قوله تعالى: {أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} الإشارة هنا إلى الذين يؤمنون من أهل الكتاب بكتاب اللّه.. فهؤلاء يؤتيهم اللّه أجرهم وثوابهم مضاعفا، لأنهم جمعوا بين الحسنيين، الدّين الذين كانوا يدينون به، ولم يخلطوه بزيف أو ضلال، والدين الجديد الذي استجابوا له، ولأنهم صبروا على المكاره التي تأتيهم من قومهم، من أهل الكتاب وقد خرجوا على إجماعهم، واتبعوا الطريق الذي هداهم اللّه إليه.. ولأنهم لا يلقون إساءة المسيئين إليهم من قومهم بالإساءة، بل يلقون الإساءة بالإحسان {وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ}.
ولأنهم لا يكنزون الذهب والفضة، كما يفعل كثير من الأحبار والرهبان، بل ينفقون في وجوه الخير مما رزقهم اللّه.
قوله تعالى: {وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ} هو بيان لأسلوب من أساليب درء السيئة بالحسنة.. فهؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب، إذا لقيهم قومهم بالسفاهة، لم يقفوا معهم في هذا الموقف، بل أعرضوا، قائلين: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم، لا نجالس الجاهلين، ولا نتجه إليهم، وإنما نحن طلاب هدى وحق.. نطلب أهل الهدى والحق، ونرتاد مجالس أهل العلم والمعرفة! هذا، ويلاحظ أن هذه الآيات مكية، أي أنها نزلت ولم يكن الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- قد لقى أهل الكتاب بدعوته لقاء مباشرا ولهذا جاء أسلوب النظم معلقا بالمستقبل.. مثل قوله تعالى: {هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} وقوله: {وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا} وقوله: {وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} فهذا إرهاص بما سيطلع به المستقبل من موقف أهل الكتاب من رسول اللّه، ومن الكتاب الذي معه.
وهذا العرض المسبّق لأحداث المستقبل، فوق أنه تلويح لأهل الكتاب بما لهم من شأن في الدعوة الإسلامية- هو- كما قلنا- تحريض للمشركين من العرب، أن يبادروا بالدخول في هذه الدعوة، وأن يسبقوا إلى الإيمان بها، فهم أحق بها وأهلها.. ثم هو تثبيت لقلوب المؤمنين، بعرض ما يلقاه المؤمنون على طريق الإيمان من مكاره، وما يساق إليهم من أذى.. وأنهم يقابلون ذلك بالصبر، ودفع السيئة بالحسنة، والإعراض عن السفاهة.
قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} هو تعقيب على هذا الموقف الجانبى، الذي عرض فيه القرآن الكريم على أنظار المشركين، ما سيكون من أهل الكتاب مع الدعوة التي يدعوهم إليها رسول اللّه، وأن كثيرا منهم سيدخلون في هذا الدّين.
وفي هذا التعقيب إشارة إلى أن كثيرا من المشركين من قوم الرسول، وذوى قرابته لا يدخلون في هذا الدّين، ولن يكونوا في المؤمنين، ولو حرص الرسول على هداهم، وأحبّ أن يراهم في المهتدين المؤمنين.. فليس للرسول أن يهدى من أحبّ، وإنما هو يهدى من أراد اللّه له الهداية. وغير قليل من حرص الرسول الكريم على هداهم، لم يرد اللّه لهم الهدى، وإذن فلن يهتدوا أبدا.
{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [56: القصص].
وفي هذا ما يكشف عن صميم الدعوة الإسلامية، وعن عظمة هذه الدعوة، وعن شمولها وعمومها، وأنها تقوم على مبدأ إنسانى عام، لا يخالطه شيء من قرابة أو عصبية، حتى ولو كانت قرابة صاحب الدعوة، وعصبيته.. فهذه دعوة من اللّه إلى عباده، ومائدة سماوية ممدودة إلى كل من تهفو نفسه إليها، وتمتد يده لها.. فمن جاء فلا يردّ، ومن أبى فلا يحمل إليه الزاد، ولا يحمل هو عليه.
وها نحن أولاء نرى على مائدة السماء تلك، أيديا غريبة متمكنة، تنال من كل شيء منها، على حين نرى أيديا من أهل بيت النبيّ الذي تمدّ المائدة في رحابه- ليس لهم مكان على هذه المائدة.. فترى على المائدة رجالا كبلال الحبشي، وسلمان الفارسيّ وصهيب الرومي، ولا نرى أبا طالب عم النبي!.. ومن عجب أن يكون هذا في مجتمع يقوم أمره كله على العصبية، وتجرى حياته كلها على اقتسام الخير والشر بين أبناء البيت الواحد، أو القبيلة الواحدة.. وهذا أبلغ شاهد، من شواهد كثيرة لا تحصى على أن دعوة الإسلام من وحي السماء، وليس للبشر صفة فيها أو تدبير لها.. إنها من عند اللّه، لعباد اللّه.
قوله تعالى: {وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.
من تعلّات المشركين، الذين أبوا أن يستجيبوا لرسول اللّه، وأن يدخلوا في دين اللّه- هذا القول لذى يقولونه زورا وبهتانا: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا}!.
وهذا القول منهم، هو شهادة عليهم بألسنتهم، بأنهم أهل سفه وضلال، وليسوا أصحاب مبادئ وأخلاقيات.. إذ كيف يعلمون أن هذا الذي يدعون إليه هو الهدى، ثم لا يتبعونه، ويؤثرون أن يعيشوا في ضلال، خوفا من ضرّ يلقاهم، أو أذى يصيبهم؟ ومتى كان أصحاب المبادئ والمثل، يخشون ضرا، أو يرهبون أذى؟ ألا ينظرون إلى بلال وإلى أبيه وأمه، وإلى غيرهم وغيرهم، وهم يطعمون من أيديهم هذا العذاب الأليم، في سبيل المبدأ والعقيدة، دون أن يزحزحهم عنه هذا البلاء الذي مات بعضهم تحت سطوة سياطه، وهو يقول: أحد أحد! ألم يكن لهم في هذه المواقف البطولية عبرة وعظة؟ ألا يدعوهم الشرف والمروءة- وهم السادة الأشراف- أن يرتفعوا إلى هذا المستوي الذي ارتفع إليه عبيدهم وإماؤهم؟ ولكنها العقول حين تضل، والبصائر حين تعمى..!!
ثم من قال لهؤلاء الضالين، إنهم لو اتبعوا الهدى ستخطفون من أرضهم؟
ألا يرون ما للّه عليهم من فضل وإحسان، وقد جعل لهم- وهم في الشرك والضلال- حرما آمنا، حيث يتخطف الناس من حولهم، وهم في حرم اللّه آمنون، وحيث تحج إلى هذا الحرم قبائل العرب جميعا، تحمل إليهم مما في أيديها من ثمرات وخيرات، كما تحمل إليهم مما في قلوبها من توقير وتكريم، لما لهذا البيت من توقير وتكريم؟ فإذا كان ذلك هو شأن الناس معهم وهم على الشرك والضلال، أفلا يكون لهم مثل هذا الشأن، وهم على الهدى والإيمان؟
ألا إنه العناد الذي يهلك أهله.. {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} [41: المائدة].

.تفسير الآيات (58- 70):

{وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (59) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ}.
ذكرت الآية السابقة على هذه الآية، ما للّه سبحانه وتعالى من فضل على البلد الحرام وأهله، إذ جعله بلدا آمنا! تهوى إليه الأفئدة، وتعظمه القلوب، وجعل لأهله حرمة في الناس، فأمنوا ما كان ينزل بالناس حولهم من بغى وعدوان.. وقد كشفت الآية كذلك عن كذب هذا الادعاء الذي يدعيه المشركون، وهو أنهم إذا اتبعوا الهدى، زال عنهم وعن بلدهم، هذا الأمن الذي هم فيه، وتخطّفهم الناس! وفي هذه الآية، يهدد اللّه سبحانه وتعالى هؤلاء المشركين بالنقم التي حلت بكثير من القرى قبلهم، فقد كانت تلك القرى آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فلما كفرت بأنعم اللّه، وبطرت معيشتها، أي استخفت بالنعمة وكفرت بها- أذاقها اللّه لباس الجوع والخوف.. وكذلك هؤلاء المشركون، هم في قرية آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ويجبى إليها ثمرات كل شيء، وقد بطروا وأشروا، فأشرف بهم هذا البطر والأشر، على مواقع الهلاك والبلاء، ليلحقوا بمن كانوا على شاكلتهم من أهل تلك القرى التي كفرت بأنعم اللّه.
قوله تعالى: {وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ}.
فى هذه الآية إشارة إلى أن أهل هذا البلد الحرام، قد بطروا معيشتهم، وكفروا بأنعم اللّه، واستوجبوا العذاب والبلاء.. ولكن اللّه سبحانه وتعالى- رحمة بعباده، وإقامة للحجة عليهم- لم يشأ أن يأخذهم بذنوبهم قبل أن يعذر إليهم، وينذرهم على يد رسوله.. فما أهلك سبحانه وتعالى قرية من القرى إلا بعد أن بعث إليها رسولا مبشرا ومنذرا، كما يقول سبحانه: {وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ} [208: الشعراء].
وها هي ذى القرية، البلد الحرام، قد كفر أهلها باللّه، وها هو ذا رسول اللّه فيهم، قد جاء لينذرهم بين يدى عذاب شديد.. فإن هم استجابوا له، ورجعوا عما هم فيه نجوا، وسلموا من بأس اللّه في الدنيا، ومن عذابه في الآخرة، وإن أبوا إلا ضلالا وعنادا، فهم في الهالكين.. {لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ} [41: المائدة].
والأمّ: الرأس من كل شيء.. وأم القرى رأسها، ومجتمع قراها.
وهي هنا مكة.. وفي هذا يقول اللّه تعالى: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها} [92: الأنعام].
قوله تعالى: {وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ}.
هو نذير من تلك النذر، التي ينذر بها القوم على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وذلك أن أكثر ما يصرفهم عن الدعوة الإسلامية، ويصمّ آذانهم عنها، هو خوفهم على ما في أيديهم من جاه وسلطان، وما يجلبه عليهم جاههم وسلطانهم من مال ومتاع.. فكان قوله تعالى: {وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها}.
تهوينا لشأن ما في أيديهم من مال ومتاع يحرصون عليه، ويضحون بكل شيء من أجله.. فهذا الذي أوتوه، هو من متاع الدنيا وزخرفها، والدنيا زائلة، ونعيمها زائل، وما عند اللّه من أعمال صالحة، يقدّمها المؤمنون ليوم الجزاء- هو الذي يبقى، وهو الذي يدوم خيره، ويتصل نعيمه.
وفي قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} نخسة لهؤلاء الضالين، الذين حرصوا على أموالهم، وزهدوا في عقولهم، فلم ينظروا بها إلى أكثر مما وراء المال والمتاع!.
قوله تعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}.
الوعد الحسن: هو الجزاء الطيب الكريم، الذي وعد اللّه عباده المؤمنين في الآخرة، من جنات ونعيم.
والموازنة هنا، بين المؤمنين والمشركين، حيث يتضح بعد ما بينهما.
فالمؤمنون على وعد من ربهم بالجنة، وهم سيلاقون هذا الوعد: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [6: الروم] والكافرون يمتعون في هذه الدنيا متاعا قليلا، ثم يحضرون يوم القيامة إلى الحساب والجزاء وليس لهم في الآخرة إلا النار..!
وفي قوله تعالى: {مِنَ الْمُحْضَرِينَ} إشارة إلى أن الكافر إنما يساق سوقا إلى الحشر، ويدفع دفعا إلى موقف الحساب، ويدعّ دعا إلى النار.. فمن ورائه سائق عنيف يسوقه إلى تلك المكاره، التي يودّ لو أن له طريقا يعدل به عنها.. {وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ} [21: ق] فهذه هي نفوس الضالين المكذبين، الذين لم يعملوا لهذا اليوم، ولم يكونوا على وعد بما وعد به المؤمنون، من لقاء ربهم، ومن الجزاء الحسن الكريم عنده.. فالمؤمنون:
{لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [103: الأنبياء].
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}؟
الضمير في {يناديهم} يعود للمشركين جميعا، على اختلاف معبوداتهم.
والسؤال هنا، سؤال تعجيز للمشركين، حيث يتبرأ بعضهم من بعض، ويفر بعضهم من وجه بعض، ويتلفت كل مجرم، فلا يرى إلا آثامه، تحيط به وتنادى بمخازيه.
قوله تعالى: {قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ}.
للذين حق عليهم القول، أي وجب عليهم العذاب، فكانوا من أهل النار.
وقد كان السؤال موجها إلى المشركين جميعا، ليحضروا آلهتهم التي عبدوها من دون اللّه.. وهنا يبادر أهل الرياسة والسلطان ممن كانوا سدنة هذه الآلهة، والدعاة لها بين الناس- ليدفعوا عن أنفسهم هذا البلاء العظيم، إذ يرون أنهم هم الذين زينوا للناس الشرك، وساقوهم إلى هذا الضلال.
فيقدمون هذا العذر: {رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا}.
.. أي هذه هي جريمتنا ممثلة في هؤلاء الأتباع الذين أغويناهم، ولكنا أغويناهم كما غوينا نحن، فنحن غوينا، ثم أغويناهم بما كنا فيه من غواية، وإذن فنحن وهم على سواء.
{تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ} من كل شرك، وتبرأنا إليك من تعلق هؤلاء الضالين بنا.
{ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ} وإنما كانوا يعبدون ما نعبد من ضلال!! وهكذا يجرّ هؤلاء الرؤساء أتباعهم معهم إلى هذا المصير المشئوم، ليشاركوهم البلاء والعذاب.
وذلك أنهم ظنوا حين وجه السؤال في قوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أنه لو سبقهم أتباعهم إلى الإجابة على هذا السؤال، وقالوا: هؤلاء هم الذين دعونا إلى عبادة ما عبدنا من الهة- لعلقت التهمة بهم وحدهم، ولنجا أتباعهم، وفي هذا ما يضاعف بلواهم، ويزيد في حسراتهم.
أما حين يؤخذ الجميع، ويعمهم البلاء، فإن البلاء- وإن عظم- يهون، وإن الحسرة- وإن اشتدت- تخفّ..! هكذا فكروا وقدّروا.
قوله تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ}.
الشركاء: هم من أشركوا بعبادتهم، واتخذوهم آلهة من دون اللّه.
والأمر بدعاء الشركاء، تيئيس لهم، وتنديم لما كانوا فيه من ضلال، حيث كانوا يتعلقون بهؤلاء المعبودين في الدنيا، ويرجون منهم ما يرجو المؤمنون من ربهم- وحين جاء وقت الامتحان ووقف المشركون على النار، قيل لهم: ادعو شركاءكم، ليدفعوا عنكم هذا البلاء.. {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} ولم يسمعوا إلا فحيح جهنم، وشهيقها.
قوله تعالى: {وَرَأَوُا الْعَذابَ} هو معطوف على قوله تعالى {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا} أي أنهم حين دعوا شركاءهم الذين عبدوهم من دون اللّه، وهتفوا بهم أن أغيثونا، لم يروا لهم ظلا، ورأوا العذاب في الموقع الذي كانوا ينتظرون أن تطلع عليهم منه آلهتهم تلك.. وفي ذلك ما يضاعف من بلائهم ويزيد في حسرتهم.
وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ}.
هو صوت منطلق من وراء هذا المشهد، الذي عرض فيه المشركون وهم في الدنيا، هذا العرض الذي رأوا فيه المصير الذي هم صائرون إليه، إذا هم ظلوا على ما هم فيه من عمى وضلال.
وهذا الصوت هو صوت العبرة والعظة، المندسة في كيان هذا العرض، الذي شهده المشركون، وإذ لم يجدوه في أنفسهم، جاء إليهم من خارج، في دعوة مجددة تدعوهم إلى الإيمان باللّه، والانخلاع عن هذا الشرك الذي هم فيه.
وجواب لو مخدوف، دل عليه مضمون الكلام السابق.. والتقدير: إن في هذا العرض لعبرة وعظة لهم، لو كانوا يهتدون.. أي لو كانوا ممن يقبل الهدى، ويستجيب له، لكان لهم من هذا الموقف عبرة وعظة.
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} هو من سياق قوله تعالى في الآية السابقة: {لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ}.
فقد قلنا إن هذا صوت يستحثهم على الهدى، ويدعوهم إلى ترك ما هم فيه من شرك.. فإذا وقع هذا الصوت موقعا من قلوبهم، وأرادوا أن يطلبوا الهدى، لقهم الرسول الكريم، الذي يدعوهم إلى اللّه، وهم يصمّون آذانهم عنه.
وتلك جناية أخرى من جناياتهم على أنفسهم، حيث يدعون في يوم القيامة ويسألون. {ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} أي بماذا أجبتموهم لما دعوكم إليهم؟ ولا جواب لهم إلا الإقرار بالجريمة، وأنهم قد صدوا عن سبيل اللّه، وكفروا باللّه وبرسوله.
قوله تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ} أي أنهم في هذا اليوم يستولى عليهم حال من الذهول، تتبلد به حواسهم، ويطير معه صوابهم، وتنعقد منه ألسنتهم، فلا يدرون شيئا، ولا ينطقون بشيء..!!
قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}.
هو لقاء من جديد، بدعوة محددة، إلى هؤلاء المشركين، وقد عادوا التوهّم من يوم القيامة، ليتوبوا، ويرجعوا عما هم فيه من ضلال وشرك، ويؤمنوا باللّه ويعملوا صالحا، فإن فعلوا ذلك، كانوا على الطريق الذي يعدل بهم عن جهنم إلى الجنة، وينقلهم من الخسران إلى الفلاح.
وفي قوله تعالى: {فَعَسى} إشارة إلى أن فلاح المؤمن، إنما يكون بفضل من عند اللّه، وأن على المؤمن أن يعلّق رجاءه باللّه، لا بما يعمل من صالحات!
قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
هو بيان لما جاء في قوله تعالى: {فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} فالإيمان باللّه، والعمل الصالح، فضل من أفضال اللّه على عبده، وإذن فليكن نظر العبد متجها دائما إلى ربه، وإلى الطمع في رحمته، وليعلم أن الأعمال الصالحة- وإن كانت مطلوبة من المؤمن لأنها سبيل إلى مرضاة اللّه- فإنها لا تدخله الجنة، وإنما الذي يدخله الجنة، هو رحمة اللّه، التي تحرس إيمانه وتيسر له السبيل إلى الأعمال الصالحة.
وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ}.
أي أنه سبحانه، يخلق ما يشاء من مخلوقات، ويختار لكل مخلوق طريقه الذي يأخذه، إلى الهدى أو الضلال، وإلى الجنة أو النار.
وقوله: {ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} هو نفى لأن يكون لأحد مع إرادة اللّه إرادة، ومع اختياره اختيار.
وقد عرضنا لهذه القضية من قبل تحت عنوان: مشيئة اللّه ومشيئة العباد وقوله تعالى: {سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه للّه عما يشرك به المشركون من آلهة، ويدّعون أن لهم في هذا الوجود تصريفا ينفع أو يضر.
قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ} هو بيان لقدرة اللّه القادرة، وعلمه الشامل، المحيط بكل شيء.
قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} هو الوصف اللائق للّه سبحانه وتعالى، الذي يتفرد به، لا يشاركه فيه أحد.
فهو سبحانه {اللّه} المتفرد بالألوهية، {لا إله إلا هو} تفرد وحده سبحانه بألوهيته.. {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى} أي في الدنيا {والآخرة} يوم القيامة، حيث يحمده. كل مخلوق على ما هو عليه من خلق أقامه اللّه فيه، كما يقول سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [44: الإسراء] {وله الحكم} أي التصريف والسلطان، في كل ما في الوجود، يدبره كيف شاء علمه، وقضت إرادته، لا معقب لحكمه.
{وإليه ترجعون} أي إليه يرجع الناس بعد الموت، ليروا أعمالهم، ويجزوا عليها.. {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (7- 8: الزلزلة).